سيد قطب
1852
في ظلال القرآن
يحكم الكتاب عن حكمة ، ويفصله عن خبرة . . هكذا جاءت من لدنه ، على النحو الذي أنزل على الرسول ، لا تغيير فيها ولا تبديل . وما ذا تضمنت ؟ إنه يذكر أمهات العقيدة وأصولها : « أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ » . . فهو توحيد الدينونة والعبودية والاتباع والطاعة . « إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ » . . فهي الرسالة ، وما تضمنته من نذارة وبشارة . « وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ » . . فهي العودة إلى اللّه من الشرك والمعصية ، إلى التوحيد والدينونة . « يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ » . . فهو الجزاء للتائبين المستغفرين . « وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ » . . فهو الوعيد للمتولين . « إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ » . . فهي الرجعة إلى اللّه في الدنيا والآخرة . « وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . . فهي القدرة المطلقة والسلطان الشامل . هذا هو الكتاب . أو هو آيات الكتاب . فهذه هي القضايا الهامة التي جاء ليقررها ويقيم عليها بناءه كله بعد تقريرها . وما كان لدين أن يقوم في الأرض ، وأن يقيم نظاما للبشر ، قبل أن يقرر هذه القواعد . فتوحيد الدينونة للّه وحده هو مفرق الطريق بين الفوضى والنظام في عالم العقيدة ؛ وبين تحرير البشرية من عقال الوهم والخرافة والسلطان الزائف ، أو استعبادها للأرباب المتفرقة ونزواتهم ، وللوسطاء عند اللّه من خلقه ! وللملوك والرؤساء والحكام الذين يغتصبون أخص خصائص الألوهية - وهي الربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية - فيعبّدون الناس لربوبيتهم الزائفة المغتصبة . وما من نظام اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أو أخلاقي أو دولي ، يمكن أن يقوم على أسس واضحة فاصلة ثابتة ، لا تخضع للهوى والتأويلات المغرضة ، إلا حين تستقر عقيدة التوحيد هكذا بسيطة دقيقة . وما يمكن أن يتحرر البشر من الذل والخوف والقلق ؛ ويستمتعوا بالكرامة الحقيقية التي أكرمهم بها اللّه ، إلا حين يتفرد اللّه سبحانه بالربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية ، ويتجرد منها العبيد في كل صورة من الصور . وما كان الخلاف على مدار التاريخ بين الجاهلية والإسلام ؛ ولا كانت المعركة بين الحق والطاغوت ، على ألوهية اللّه - سبحانه - للكون ؛ وتصريف أموره في عالم الأسباب والنواميس الكونية : إنما كان الخلاف وكانت المعركة على من يكون هو رب الناس ، الذي يحكمهم بشرعه ، ويصرفهم بأمره ، ويدينهم بطاعته ؟ لقد كان الطواغيت المجرمون في الأرض يغتصبون هذا الحق ويزاولونه في حياة الناس ، ويذلونهم بهذا الاغتصاب لسلطان اللّه ، ويجعلونهم عبيدا لهم من دون اللّه . وكانت الرسالات والرسل والدعوات الإسلامية تجاهد دائما لانتزاع هذا السلطان المغتصب من أيدي الطواغيت ورده إلى صاحبه الشرعي . . اللّه سبحانه . . واللّه - سبحانه - غني عن العالمين . لا ينقص في ملكه شيئا عصيان العصاة وطغيان الطغاة . ولا يزيد في ملكه شيئا طاعة الطائعين وعبادة العابدين . . ولكن البشر - هم أنفسهم - الذين يذلون ويصغرون ويسفلون حين يدينون لغير اللّه من عباده ؛ وهم الذين يعزون ويكرمون ويستعلون حين يدينون للّه وحده ، ويتحررون